مصطفى صادق الرافعي
132
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
جيد ، غير أنه ليس عليه طلاوة القرآن ! فقال : حتى تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة ، وعند ذلك انظروا كيف يكون « 1 » . . . وقيل : إن من كتابه هذا قوله : « أقسم بخالق الخيل ، والريح الهابّة بليل ، بين الشرط مطلع سهيل ، إن الكافر لطويل الويل وإن العمر لمكفوف الذيل ؛ تعدّ مدارج السيل ؛ وطالع التوبة من قبيل ، تنج وما إخالك بناج » . فلفظة ( ناج ) هي الغاية ، وما قبلها فصل مسجوع ، فيبتدئ بالفصل ثم ينتهي إلى الغاية ، وهذا كما ترى عكس الفواصل في القرآن الكريم ، لأنها تأتي خواتم لآياته ، فكأن المعارضة نقض للوضع ومجاراة للموضوع ، وكأنها صنعة وطبع . وتلك ولا ريب فرية على المعري أراده بها عدو حاذق ، لأن الرجل أبصر بنفسه وبطبقة الكلام الذي يعارضه ، وما نراه إلا أعرف الناس باضطراب أسلوبه والتواء مذهبه ، وأن البلاغة لا تكون مراغمة للغة ، واغتصابا لألفاظها ، وتوطينا لغرائبها كما يصنع ؛ وأن الفصاحة شيء غير صلابة الحنجرة ، وإفاضة الإملاء ، ودفع الكلمة في قفا الكلمة حتى يخرج الأسلوب متعثرا يسقط بعضه في جهة وينهض بعضه في جهة ، ويستقيم من ناحية ويلتوي من ناحية ؛ وأنه عسى أن لا يكون في اضطراب النسق وتوعر اللفظ واستهلاك المعنى وفساد المذهب الكتابي وضعف الطريقة البيانية شر من هذا كله ، وما أسلوب المعري إلا من هذا كله . على أن المعري - رحمه اللّه - قد أثبت إعجاز القرآن فيما أنكر من رسالته على ابن الراوندي ، فقال : وأجمع ملحد ومهتدي ، وناكب عن المحجة ومقتدي . أن هذا الكتاب الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلم كتاب بهر بالإعجاز ، ولقي عدوه بالإرجاز ، ما حذي على مثال ، ولا أشبه غريب الأمثال ، ما هو من القصيد الموزون ، ولا في الرجز من سهل وحزون ، ولا شاكل خطابة العرب ولا سجع الكهنة ذوي الأرب . . . وإن الآية منه أو بعض الآية لتعترض في أفصح كلم يقدر عليه المخلوقون فتكون فيه كالشهاب المتلألئ في جنح غسق ، والزهرة البادية في جدوب ذات نسق » ا ه . ولا يعقل أن يكون الرجل قد أسرّ في نفسه غير ما أبدى من هذا القول ولم يضطره شيء إليه ، ولا أعجله أمر عن نفسه ولا كان خلو رسالته « 2 » منه تضييعا ولا
--> ( 1 ) يقول مصححه : وقع صديقنا البحاثة الأستاذ محمود زناتي على نسخة خطية لبعض كتاب ( الفصول والغايات فنشرها مصححة مضبوطة منذ قريب ، وأحسب أن المؤلف - رحمه اللّه - لم يقرأ شيئا منها قبل . ( 2 ) رسالة الغفران .